بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف الخلقين والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين
ويرحل الأب العظيم مخلّفاً في قلب ابنته أعمق جرح يسدّده القدر .
كان محمد الأب .. الحضن الدافئ.. الظلال الوارفة .. الهواء الذي تتنفسه .. فإذا الدنيا هجير .. وإذا الوجود ظلمات تتراكم بعضها فوق بعض .
آه .. كيف طاب للحواريين أن يودعوا الثرى شمس الوجود ؟!
كيف طابت النفوس أن تحثو التراب على وجه أضاء التاريخ والإنسان ؟!
قالت فاطمة تخاطب أصحابًا لمحمد صلى الله عليه وآله : أطابت نفوسكم أن تحثو على رسول الله التراب "1"؟!
وراحت تملأ صدرها من شذى التراب الطاهر .. أن فيه عطر الوجود وأريجه الخالد "2" , وفي فقده مصيبة تحيل النهار إلى ليلٍ "3" غارق في الظلمات .
وتتوالى الطعنات .. فإذا الذين كانوا حول الرسول بالأمس ينصرفون اليوم .
يسرعون إلى "سقيفة" "4" للإستيلاء على سلطان محمد صلى الله عليه وآله .. وعلت الأصوات بعد أن غاب محمد صلى الله عليه وآله .. بعد أن سكت محمد ..
وتهدر الخطب في غياب محمد ولو كان شاهدها لم تكثر الخطب ."5"
وفيما كان الحواريون منهمكين في تجهيز الراحل العظيم أسفرت السقيفة عن أول فلتةٍ "6" في تاريخ الإسلام .
وتخرج فاطمة تحاول استرداد الخلافة المغتصبة .. كانت تخرج ليلاً فتطوف على بيوت الأنصار , ولكن دون جدوى فلقد سبقت البيعة للأول ؛ولو جاء علي ما عُدل به فيقول علي : أفكنت أدع رسول الله صلى الله عليه وآله في بيته لم أدفنه وأخرج أنازع الناس سلطانه ؟!
وتقول فاطمة : ما صنع أبو الحسن إلا ما كان ينبغي له , ولقد صنعوا ما الله حسيبهم و طالبهم . (7)
ويتحول بيت فاطمة إلى قلعة للمقاومة يحتمي به الحواريون ممن رفضوا بإصرار أن يدوسوا تراث محمد صلى الله عليه وآله أو يتناسوا أحاديثه .
وتشتد هجمات المغيرين يريدون لعلي أن يبايع , وكانت صيحات عمر بن الخطاب تدوّي وتهدّد بإضرام النار في منزل فاطمة "8" .
وهتفت فاطمة بالمغيرين : يا أبا بكر ما أسرع ما أغرتم على أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله ! "9"
ويقاد علي بقوّة الحديد والنار إلى البيعة , ويقال له :بايع
فيقول : فإذا لم أفعل ؟ فيقال له : إذن نضرب عنقك , فيقول الرجل المقهور : إذن تقتلون عبد الله وأخا رسوله "10" .
وعندما لاح ضريح النبي هتف علي وهو يبكي : يا بن أم : إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني.
وفي لحظات مثيرة هبّت فاطمة , وقد أشرعت سلاح الأنبياء .. رفع الكفيّن
إلى السماء .
خرجت وقد أخذت بالحسن والحسين عليهما السلام وانطلقت إلى قبر الرسول . وهتف سلمان وقد رأى حيطان المسجد تتزلزل : يا سيدتي .. إن الله تعالى بعث أباك رحمة للعالمين , وخفضت بنت النبي يديها بعد أن أوشكت أن تستمطر اللعنة على الظالمين "11" .
وقالت لعمر : ما والله يابن الخطاب لولا أني أكره أن يصيب البلاء من لا ذنب له , لعلمت أني سأقسم على الله ثم أجده سريع الإجابة "12".
ولولا أن تكون سيئة لنشرت شعري ولصرخت إلى ربّي "13" .
والله لا أدعكم تجرّون ابن عمي ظلماً "14".
والتفتت إلى الخليفة قائلة : والله لأدعونّ الله عليك في كل صلاة "15".
وتعود فاطمة مع علي المنزل .. وفاطمة تبكي .. تبكي : فقد النبي وظلم الوصي "16".
آه .. لو تركوا الحق لأهل الحق .. وابتغوا عترة النبي ما اختلف في الله اثنان"17" !
وكانت عاقبة الذين أساءوا السوء أن اغتصبوا الحق , فأضحت الخلافة نهباً للطامعين والمغيرين "18".
وتتوالى الغارات .. وتغتصب فدك والميراث وتصادر أحاديث وآيات .
ألا لعنة الله على ظالميكِ يا فاطمة الزهراء .
يا مظلومة يا زهراء
""""""""""""""""""""""""""
(1)سنن الدارمي 1/40 , البخاري 5/15
(2)مسند أحمد 2/489
(3)عيون الأثر 2/340
(4)سقيفة بني ساعدة مركز اجتماعات الأوس والخرج
(5)الفائق 3/217
(6)الطبري 2/235
(7)الإمامة والسياسة1/12
(8)تاريخ ابن شحنة هامش الكامل 7/164, شرح ابن أبي الحديد 2/56-6/48.
(9)شرح ابن أبي الحديد 1/134-2/19
(10)الغدير 7/75-78
(11)بيت الأحزان/87
(12)الكافي1/460
(13)علم اليقين2/687
(14)الإمامة والسياسة1/14.
(15)المصدر السابق 1/13
(16)البحار43/218-156
(17)البحار 36/353
(18)وسائل الشيعة ومستدركاتها لأبي النصر أستاذ الأدب العربي في القاهرة 1/13.
==-==-==-==-==-==-==-==-==-==-==-==-==-==-==-==
لا تنسونا من صالح دعائكم